لم يعد الذكاء الاصطناعي أداة مستقبلية بعيدة عن الممارسة الصحية، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل العمل اليومي؛ من تلخيص السجلات الطبية، إلى دعم اتخاذ القرار السريري، وحتى تحسين التواصل مع المرضى. لكن المفارقة أن جودة ما يقدّمه الذكاء الاصطناعي لا تعتمد على قوته بقدر ما تعتمد على الطريقة التي نخاطبه بها.
كثير من الممارسين الصحيين يجرّبون أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم يخرجون بانطباع متباين: أحيانًا مذهل، وأحيانًا مخيّب للآمال. الفرق في الغالب لا يكون في الأداة نفسها، بل في “الأمر” الذي أُعطي لها. هنا تظهر أهمية ما يُعرف بهندسة الأوامر؛ المهارة التي تحوّل الذكاء الاصطناعي من محرك إجابات عامة إلى مساعد مهني يفهم السياق الصحي ويستجيب له بدقة.
بالنسبة للممارس الصحي، إتقان هندسة الأوامر لم يعد رفاهية تقنية، بل مهارة عملية تؤثر مباشرة على جودة المعلومات، وسرعة الإنجاز، وتقليل الأخطاء. هذا المقال يسلّط الضوء على هذا المفهوم من زاوية تطبيقية، ويضع إطارًا عمليًا يساعدك على الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي في ممارستك اليومية، دون تعقيد أو مصطلحات تقنية مرهقة.
أولًا: حدّد السياق الصحي قبل طرح أي أمر
عند استخدام الذكاء الاصطناعي، الافتراض بأنه “يفهم” السياق تلقائيًا هو أحد أكثر الأخطاء شيوعًا. الذكاء الاصطناعي يتعامل مع ما يُقدَّم له فقط، لذلك تحديد التخصص، ونوع الحالة، ومستوى الرعاية (أولية، ثانوية، تخصصية) يصنع فرقًا كبيرًا في دقة المخرجات.
بالنسبة للممارس الصحي، ذكر السياق لا يعني الإطالة، بل الوضوح. عندما يكون الأمر مبنيًا على خلفية سريرية واضحة، تصبح الإجابة أقرب للواقع العملي، وأكثر قابلية للاستخدام في بيئة العمل بدل أن تكون مجرد معلومات عامة.
ثانيًا: صِغ الأمر كأنك تشرح لزميل متخصص
الأوامر العامة غالبًا تؤدي إلى إجابات سطحية، بينما الأوامر المصاغة بلغة مهنية دقيقة تعطي نتائج أقرب للتفكير السريري. التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأنه “زميل جديد” يحتاج إلى توجيه واضح بدل افتراض الفهم الضمني.
عندما تستخدم مصطلحات طبية مناسبة، وتطلب مستوى معينًا من العمق أو التحليل، فإنك توجّه النموذج إلى نمط تفكير أكثر تخصصًا. هذا الأسلوب يختصر الوقت، ويقلل الحاجة لإعادة الصياغة أو التصحيح لاحقًا.
ثالثًا: اطلب شكل المخرجات قبل محتواها
كثير من الممارسين يركزون على “ماذا أريد” وينسون “كيف أريده”. تحديد شكل الإجابة، سواء كانت نقاط مختصرة، فقرة تعليمية، مقارنة، أو خطوات عملية، يساعد الذكاء الاصطناعي على تنظيم الأفكار بطريقة تناسب الاستخدام الفعلي.
في الممارسة الصحية، طريقة عرض المعلومة لا تقل أهمية عن المعلومة نفسها. عندما تطلب مخرجات واضحة ومنظمة، تصبح النتائج أسهل في المراجعة، وأكثر قابلية للتطبيق في التعليم أو التوثيق أو اتخاذ القرار.
رابعًا: لا تكتفِ بالإجابة الأولى، بل وجّهها
الإجابة الأولى من الذكاء الاصطناعي نادرًا ما تكون النهائية. التعامل معها كنقطة بداية، ثم توجيهها بالتصحيح أو التوسيع أو التضييق، يحوّل الأداة إلى شريك تفاعلي بدل مصدر جامد للمعلومات.
هذا الأسلوب يشبه النقاش العلمي؛ تسأل، ثم تعقّب، ثم تطلب توضيحًا أو تعديلًا. ومع كل توجيه إضافي، تتحسن دقة المخرجات وتقترب أكثر من احتياجاتك المهنية الحقيقية.
خامسًا: اختبر النتائج بعقلية نقدية مهنية
مهما كانت جودة الأوامر، يبقى الذكاء الاصطناعي أداة داعمة لا بديلًا عن الحكم السريري. مراجعة المخرجات بعين نقدية، ومقارنتها بالمراجع المعتمدة والخبرة العملية، خطوة أساسية لا يمكن تجاوزها.
للممارس الصحي، القيمة الحقيقية لهندسة الأوامر لا تكمن في تسليم القرار للذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه لتعزيز التفكير، وتوسيع الخيارات، ودعم القرار المبني على المعرفة والخبرة معًا.
انضم إلينا في فعاليتنا المجانية
سجل الآن في فعاليتنا المجانية مع د. محمد حسنين واحترف هندسة الأوامر في القطاع الصحي
